الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

127

الأخلاق في القرآن

وأفعاله من موقع السعي للانتقام من المحسود وإزالة النعمة الّتي عليه . ويستفاد من بعض الروايات أنّ جميع الناس ( أو غالبيتهم ) يعيشون الحسد في نفوسهم ، ولكن ما لم يظهر على أقوالهم وأفعالهم فإنه لا يترتب على ذلك إثم ومعصية . ومن ذلك ما ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قوله : « ثَلَاثٌ لَا يَنْجُو مِنْهُنَّ احَدٌ : الظَّنُّ ، وَالطِّيَرَةُ ، وَالْحَسَدُ ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ بِالْمَخْرَجِ مِنْ ذَلِكَ ، اذَا ظَنَنْتَ فَلَا تُحَقِّق ، وَاذَا تَطَيَّرْتَ فَامْضِ ، وَاذَا حَسَدْتَ فَلَا تَبْغِ » « 1 » . وورد في حديث آخر قوله : « قَلّ مَنْ يَنْجُو مِنْهُنَّ » « 2 » . ويستفاد من هذا التعبير أنّ هذا الحكم ليس عاماً ولا يشمل الأنبياء والأولياء ، لأنهم ما لم يطهر ظاهرهم وباطنهم من الحسد فإنّهم لا يصلوا إلى المقامات السامية ولا يصعدون في معارج الكمالات المعنوية ، ولذلك ورد في تفسير الحديث الشريف الّذي يقول ( إنّ الحسد لا يخلو منه أيّ إنسان حتّى الأنبياء ) فقد فُسّر بعنوان ( محسود ) أيّ انّ الحسّاد يحسدون كلّ شخص حتّى الأنبياء الإلهيين فيحسدونهم على مقامهم العالي ومرتبتهم المعنوية السامية لدى اللَّه تعالى . وعلى أيّة حال فلا شكّ في أنّ صفة الحسد هي من الرذائل الأخلاقية سواءً وصلت إلى مرحلة الظهور والبروز أم لا ، والكلام هنا في أنه هل يترتب على الحسد إثم وعقوبة فيما لو لم يصل إلى مرحلة الظهور والبروز أم لا ؟ والظاهر أنه لا دليل على كون هذه الحالة من الإثم والذنب رغم انها من الصفات الذميمة . ولكن المرحوم النراقي في ( معراج السعادة ) يقول : ( إذا دفع الحسد صاحبه لأن يرتكب بعض الأفعال والأقوال الذميمة من قبيل الغيبة والشتم للطرف الآخر فإنه يرتكب بذلك إثماً ، وكذلك إذا امتنع من إظهار مثل هذه السلوكيات وتجنّب الأفعال الّتي تدلّ على الحسد ولكنه كان طالباً في باطنه زوال نعمة المحسود وراغباً في ذلك ولم يشعر بالامتعاظ من

--> ( 1 ) . المحجّة البيضاء ، ج 5 ، ص 325 . ( 2 ) . المصدر السابق .